محمد بن محمد بن هبة الله الحسيني الأفطسي

257

المجموع اللفيف

منها بديعا غير مبتذل ، وبكرا غير مفترع ، وتلذّه المسامع ، وتهشّ له الطبائع . وبعد ، فما عسى يبلغ مدح المادح ، وجهد الواصف من كنه الثناء على بيت عظّمته الملائكة ، وطافت به الجنّ والإنس ، ثم الأمم على اختلاف مذاهبها ، وتباين عقائدها ، ولم يقع على قديم الدهر في تعظيمه وتقديسه وتفخيم شأنه واستلام أركانه ، اختلاف من الموحّد والملحد ، وأهل الشّرك والإيمان ، فكلّ في المذاهب والملل ، والشرائع والنّحل ، والوسائط والرّسل ، مختلف ، وإلى تفضيله داع ، وإلى الطواف به والصلاة فيه شاع ، وبالإذعان [ 93 و ] له مقرّ ، وعلى التوسل به مستمر ، وما ظنّك ببيت تجافى عنه طوفان نوح ، وردّ دونه فيل الحبشة ، وخاب عن ثلمه كيد الفراعنة ، وثبت فيه مقام إبراهيم ، وأشرفت نبوّة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ودرجت عنه الأئمّة الزّهر ، والذي يذكره المشاهد بالعيان ، وما يحقّقه حاضر الامتحان لتكون أردّ على المنكر ، وأقطع بحجّة المخالف ، وأشحذ لنيّة المؤمنين ، وأقرّ لعين المهتدين ، فأول ذلك أنه لم يضق قطّ عن الحجيج ، وأكثر الروايات الصحيحة بالإجماع ، أنه لن يتمّ موسما بدون الأربع مائة ألف نسمة ، فان نقصت العدّة تمّمتها الملائكة ، ثم إنّ أهل النظر والتبيين ، والفحص والتبحّث ، يعتبرون في ابتداء كل عام ، إذا دخلت الشمس رأس النقطة الاعتدالية من الحمل ، فان نشأت السحائب من تلقاء الركن العراقي ، كان الخصب في العراق ، وإن نشأت من تجاه الركن اليماني كان الخصب باليمن ، وإن نشأت من إزاء الركن الشامي ، كان الخصب بالشام ، وإن عمّت السحائب من الأركان الأربعة كان الخصب ذلك العام عاما . ثم إنه معلوم أنّ حجة لا تتمّ إلا برمي الجمار ، وعلى كل مسلم رمى إحدى وسبعين حصاة ، وقد ذكرنا الرواية في عدد من يتكامل به الموسم ، وذلك أنّ من لدن آدم ، وإلى حيث زماننا هذا ، فلو اجتمع بالمزدلفة [ 1 ] لكان جبلا لا

--> [ 1 ] المزدلفة : هو مبيت للحاج ومجمع الصلاة إذا صدروا من عرفات ، وهو مكان بين بطن محسّر والمأزمين ، والمزدلفة : المشعر الحرام ، ومصلى الإمام ، يصلى فيه العشاء والمغرب والصبح . ( ياقوت : المزدلفة ) . المجموع اللفيف * 9